أبي منصور الماتريدي

241

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

نبيه صلّى اللّه عليه وسلم حتى رأى الجن على صورتهم . وجائز أن يكون الله تعالى صور الجن على صورة الإنس حتى رآهم ، وشعر بمجيئهم ، والله أعلم . ثم ما ذكرنا من السببين في أمر مجيء الجن إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في أول السورة من قول أهل التأويل لا نقطع القول بذلك ، وإن كان في حد الإمكان والجواز ؛ لأنهم تكلفوا استخراج ذلك بالتدبر والاجتهاد ، وما كان سبيل معرفته الاجتهاد ، لم يجز أن نقطع القول فيه بالشهادة . وقد يجوز أن يكون الذي حملهم على المجيء غير ذينك الوجهين ، وهو أن يكون النفر من منذري الجن ؛ لأنه ذكر أن من الجن نذرا ، وأن الرسل من الإنس دون الجن ، فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا برسول صلّى اللّه عليه وسلم فيتلقفوا منه ما يقومون « 1 » به بالنذارة فيما بين قومهم إذ كانوا يصعدون إلى السماء فيستمعون الأخبار ، وينذرون قومهم بها ، ثم انقطع علم ذلك عنهم حيث لم يجدوا مسلكا إلى الصعود ؛ لأنها قد ملئت حرسا ، وعلموا أن الله - عزّ وجل - لا يبقيهم حيارى ويقطع عنهم وجه المعرفة ، فتفرقوا في الأرض رجاء أن يظفروا بمن يزيل عنهم الشبه ، ويوضح لهم الحجج والبراهين ، فوصلوا إلى مقصودهم من جهة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم . ويجوز « 2 » أن يكون عندهم أن لا أحد في الأرض من جني أو إنسي يكذب على الله ؛ كما حكى الله عنهم بقوله : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً ، فلما تحقق عندهم الكذب خافوا على أنفسهم أن يبتلوا به ، وأن يشتبه عليهم الصراط السوي ؛ فتفرقوا في الأرض على رجاء أن يظفروا بمن يدلهم على الطريقة المثلى ، حتى وجدوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم . ويجوز أن يكونوا لما صعدوا إلى السماء ، فرأوها مملوءة من الحرس والشهب ، أيقنوا أن ذلك لحادث خبر أو خافوا حلول نقمة بأهل الأرض ؛ فتفرقوا في البلاد لما لعلهم يصلون إلى علم ذلك . ثم الذي تحقق كون هذا الخبر وهو أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في حق الكفرة - انقطاع الكهنة بعد ذلك ، ولو كان الأمر على خلاف هذا ، لكانوا لا ينقطعون ؛ لأن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء فيأتون الكهنة بما يستمعون من الأخبار ، ويلقونها

--> ( 1 ) في ب : يقوموا . ( 2 ) في ب : أو يجوز .